الــدور الرابع ..
استمررت فى الصعود وكدت أسقط فوق احد الدرجات المتهدّمة ..
حتى وصلت إلى دورنا الرابع للتعرف على ساكن آخر .. من سكان عِمارتنا ..
عِمارة الأوهام ...
وقف أمام فراشه يرتّب فى حقيبة سفره .. وقد أمسك ببرواز يحمل بين طياته صورة
زوجته الحبيبة وأبناءه الثلاثة ..
تأملهم كثيراً ثم احتضن بروازه ووضعه فى هدوء فوق ملابسه داخل الحقيبة ..
ودخلت زوجته وعلى ملامحها حزن الفراق ..
" أنتى الآن مسؤولة عن ابى وأمى وأولادنا ..
لقد اشتريت لكم تلك الشقة بما تبقى من مال الأرض والمنزل بقريتنا ..
والباقى دفعته للرجل الذى سهّل لنا السفر إلى إيطاليا على تلك العبّارة ..
حلم حياتنا على وشك أن يتحقق ..
وسأرسل لكِ المال بمجرد وصولى وحصولى على عمل يحقق لنا ما نتمناه .. "
ومر العام وكررت الزيارة .. ولم أجد ساكننا .. ولا أهله وذويه .. وعند السؤال ..
قالوا .....
" بلعته مياه البحر .. "
استكملت صعودى .. للبحث عن ساكن جديد .. ووهــمٍ جديد ...
الــدور السابع ..
جلس خلف شاشة حاسوبه .. وقد بدأ فى خط مشاركته بالمنتدى العريق الذى أصبح به
مشرفاً نتيجة مجهوداته الضخمة
وموضوعاته التى لا تعد ولا تحصى!
كانت المشاركة عبارة عن تحذير قوى اللهجة لأحد الاعضاء المخطئين ..
" أيها العضو أليل الأدب .. لو كنت لا تعرف ازاى ترد فى منتدى كبير ومحترم زى دا ..
يبئا متجيش تانى .. أو هحذفك من المنتدى حذف!!
" .. وبعدها رنّ هاتفه المحمول ورد على أحد أصدقائه ..
" لا مش هينفع آجى أذاكر معاكوا انهاردة ..
مذاكرة ايه يا راجل هوا انا فاضى للعب العيال دا
فى مسابقة جامدة فى المنتدى ولازم أشرف عليها بنفسى ..
أصل أنا مهم أوى فى المنتدى إنت مش فاهم يابنى ..! "
وعام وكررت الزيارة .. ومشرفنا العزيز يخط بأصابعه
على الكيبورد الخاص به رداً على مشاركات التهنئة له
بالترقية الجديدة .. "
يا جماعة ربنا يخليكوا النجاح الباهر دا عشانكوا إنتوا مش عشان حد تانى .. "
ورن هاتفه المحمول .. وتغيرت الإبتسامة على وجهه ..
وصوت مكتوم من بين شفتيه خرج
" سقطت فى الكلية .. مش ممكن .. ليه بس .. ليه .. ليه ...!"
الــدور الثامن ..
ها قد اقتربت من الدور الثامن وقد أُرهقت من هذا السلم العتيق ..
وها هو باب ساكننا الجديد ...
جلس أمام تلفازه " الفلات 29 بوصة " ..
وقد انهمرت دموعه متأثراً بما يراه أمامه فى كليب " الحلم العربى "
ولا يكاد مصدقاً عينيه! .. "أى وحشية تلك؟!" .. "أى جريمة يقترفونها؟!" ..
" تباً لهم ولمن معهم!" ..
وعندها نهض إلى اللابتوب الخاص به ..
وارتشف من " كانز البيبسى " رشفة تهدأ من روعه .. ثم انطلقت أصابعه
فى كل المنتديات أن " قاطعوهم بكل ما أوتيتم من قوة " ..
وبعد قليل عاد إلى التلفاز من جديد وقد انتهى كليب " الحلم العربى" ..
وبدأ كليب جديد " قرب نص نص " ..
واستكمل ارتشاف " كانزه المفضل " .. مع قطعة من البيتزا الساخنة ..
مع ابتسامة ارتياح أنه فعــل ما يجــب فــعله!
وبعد عام كررت الزيارة .. لأجد ساكننا يزرف الدموع زرفاً أمام كليب آخر مؤثر
" الضمير العربى " ..
لينهض من جديد يدق بعنف من جديد على أزرار لابتوبه الجديد " قاطعووووووووهم "
.. إلى أن قاطعه صوت كليبه المفضل الجديد للمطرب " الروش " الجديد ..
عاد عندها إلى تلفازه وبدأ فى ارتشاف " باقى كانزه " ..
مؤمناً فى داخله أنه سيقوم بعد الكليب مباشرة ليستكمل ...
" حملة المقاطعة ..! "
الــدور التاسع ..
استكملت صعودى نحو الدور التالى وقد أنهكنى الصعود الذى يبدو
وكأن لا نهاية له أو لتلك العمارة الغريبة ...
وصلت إلى الدور التاسع لأجد
باباً معتم اللون مغلقاً على من بداخله ..
وعندها اخترقته كما يخترق الضوء الزجاج .. باحثاً عن سكانوا ذاك المكان ..
غرفة معتمة لا ضوء فيها سوى القليل ..
اقتربت أكثر وأكثر لاعرف ما يفعل ساكننا او ساكنتنا .. اقتربت ثم اقتربت ..
وعندها كانت المفاجأة بالنسبة لى! ..
لم ادرى أننى سأرى ذلك الوهم يوماً وجهاً لوجه ..!
وهنا .. جلست على درجات السلم وتوقفت عن الصعود ..
آملاً أن تجدوا زائراً جديداً ..
يستكمل معكم رحلتكم فى ...
عِمــارة الأوهام ..
فكرةٌ تسللت إلى عقلى واستقرت به كثيراً ..
وحاولت أن أقدمها لكم فى صورة ومضات سريعة من حياتنا وحياة الآخرين ..
ومضات تنبيه من تلك العِمارة الخفية التى يسكنها الأغلبية ..
وهناك منهم من يسكن دوراً أو دورين أو أكثر وأكثر ..
هناك من كان ساكناً وهناك من يسكن الآن .. وهناك من هو مقدمٌ إليها ...
عرضت بعضاً من الكثير ..
وسأنتظر من بينكم من يخرج لنا بالأدوار التالية والتالية وما أكثرها ...
أصدقائى .. لسنا معصومين من الخطأ ولن نكون يوماً ..
فقط لا تتركوا أنفسكم فى تلك العمارة كثيراً ..
ولا تنخدعوا ببريقها من الخارج
أفيقوا من أوهامكم ولا تجعلوها حصاراً
يختنق معه مستقبلكم ..
ثوروا على أوهامكم وعلى تلك العمارة ..
إهدموا عمارة الأوهام .. قبل أن تُهدَم عليكم ...!
لنخرج الى الضوء فهو اجمل بكثييييييييير
ممآراق لي ~ 